رحلة.. سبحان الله

رحلة.. سبحان الله
د.سامية السليمان

أجوب حاليا ومنذ ثلاثة أسابيع في آيسلندا بلد العجائب. بلد صغير منعزل في جزيرة، من اسمه بلد الجليد ينذر بطبيعة باردة وكل ما يتعلق بذلك. حتى الآن (فالرحلة لم تنته بعد) قطعت أكثر من ٢٣٠٠ كم في رحلة بدأت في العاصمة ريكيافيك (Reykjavik) واستمرت باتجاه عقارب الساعة على أطراف البلد ما بين الجبال والساحل غالبا وفي أواسطه أحيانا.

آيسلندا يقال عنها انها بلد الجليد والنار وهذا جلي في كل مكان إلا أنها أكثر من ذلك بكثير. طبيعتها تختلف من مكان لآخر ولكن التضاريس تذكر بالبراكين في كل مكان. تتنوع أشكال جبالها وارتفاعها وحتى استدارتها وحدتها من مكان لآخر. أما ألوانها فهي حكاية أخرى. لم أر مثل تنوعها في مكان من قبل. بين جبل وآخر شلالات بأشكال وأحجام مختلفة لكل حلاوته منها ما تزلزل له الأرض من قوته مثل شلال ديتيفوس (Dettifoss) وآخر يبهر لعدم رؤية مصدر الماء الذي يأتي من تحت صخور الحمم البركانية مثل هراونفوسار (Hraunfossar) وآخر مقسوم على مراحل متعددة يتطلب تسلق الجبال لرؤية كل جزء مثل دينياندي (Dynjandi) وغيرها من الشلالات الكبيرة الكثير.

تتغير طبيعة الأرض والغطاء النباتي في لحظات من سهول خضراء إلى ما يشبه ما أتخيل أن يبدو عليه سطح القمر. فهناك أماكن فعلا تشكك المرء إن كان لا يزال على كوكب الأرض. دخلت الكهوف البركانية ورأيت مجرى الحمم وصعدت للجبال الجليدية وتعجبت من تضاريس كتل جليدية متحركة. رأيت بحيرة من الجبال الثلجية وجبالا مقسمة كالأعمدة. مشيت في حقول من الحمم وسمعت صوتها وهي تتكسر تحت أقدامي ورأيت الطين المغلي وشممت الأبخرة النتنة كالبيض الفاسد في حقول وكأن الأرض تتنفس.

أما جوها فبارد بشكل عام وتصل الحرارة «الحارقة» كما يسمونها ٢٠ درجة مئوية إلا أنها في الغالب لا تصل لذلك. يقال عن جوها انه إن لم يعجبك فانتظر لمدة خمس دقائق وسوف يتغير. كذلك يؤكد الآيسلنديون أنه لا يوجد جو سيئ ولكن فقط استعداد سيئ للجو.

آيسلندا بلد صغير نسبيا يسكنه قرابة ٣٤٠ ألف نسمة ثلثاهم في العاصمة وضواحيها مما يجعل الريف منعزلا، لا ترى فيه سوى بعض البيوت والمزارع أحيانا. ثاني أكبر مدينة هي أكوريري (Akureyri) في الشمال ولا يسكنها سوى ١٨ ألف نسمة. يفوق عدد الناس الخراف حيث إن عددها يقدر بـ ٨٠٠ ألف رأس تجوب البلاد بحرية تامة في الصيف وتجدها في كل مكان حتى يتم جمعها مجددا في الخريف.

انغمست في هذه الفترة القصيرة في تاريخ الاستيطان وتكون الطبيعة من براكين وجبال وتاريخها المالي حيث كانت من المؤثرين والمتأثرين في الأزمة المالية عام ٢٠٠٨. يقال عني انني لم أترك صخرة إلا وصورتها وسألت عنها لدرجة أنني أتوقع تلقي شهادة في الجيولوجيا عند مغادرتي مطار كيفلافيك.

هي بلد لم أشهد مثلها في وضوح بداية الكون وعذرية الطبيعة. جمالها يأسر لدرجة أن كلمة «سبحان الله» لا تفارق اللسان. من العجيب أن تلك الطبيعة الجميلة والبديعة التي توصلني حد الدموع هي أيضا طبيعة قاسية وخطيرة يجب التعامل معها بحذر فسبحان من خلقها.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>